مراجعة كتاب التغريبة البلالية – بلال فضل | سخرية الواقع في رحلة بلا خريطة
كتاب "التغريبة البلالية" للكاتب المصري بلال فضل هو عمل أدبي فريد يمزج بين أدب الرحلات والمقال السياسي الساخر، ويقدم للقارئ تجربة غنية عبر محطات متعددة من العالم، ليس فقط عبر جغرافيا الدول التي يزورها، بل عبر مواقف وتجارب إنسانية وسياسية وفكرية تتقاطع مع هوية الكاتب كعربي مصري يعيش حالة اغتراب فكرية، وعاطفية، وربما سياسية، في عالم مضطرب.
نبذة عن الكاتب بلال فضل
بلال فضل هو كاتب وسيناريست وصحفي مصري، بدأ مشواره في الصحافة بجريدة "روز اليوسف" ثم اشتهر بزاويته الساخرة "أهو كده" في صحيفة الدستور. عُرف بأسلوبه السلس والساخر، وله باع طويل في كتابة السيناريو للسينما والدراما، كما أن له مساهمات فكرية حادة تضعه في مصاف الكتّاب المؤثرين في جيل ما بعد الألفية في مصر. تميزت كتاباته بالجرأة، والكشف عن المسكوت عنه، سواء في السلطة أو المجتمع. وقد أثرى المشهد الثقافي بعدة كتب منها: "فتح بطن التاريخ"، و"مصر من البلكونة"، و"ضحك مجروح"، ويأتي "التغريبة البلالية" كواحد من أبرز أعماله وأكثرها نضجًا.
وصف كتاب التغريبة البلالية
"التغريبة البلالية" هو كتاب من فئة المقالات الطويلة، أو "الريبورتاج الشخصي"، وهو أقرب إلى أدب الرحلات المصحوب بالسخرية والتحليل السياسي. لا يُعتبر الكتاب سيرة ذاتية تقليدية، ولا هو مجرد رحلات لمدن وعواصم عالمية، بل هو رحلة فكرية داخل وعي كاتب يعيش بين الوطن والمنفى، بين السخرية والألم، بين الغضب والتهكم.
الكتاب صدر عن دار الشروق، ويضم مجموعة من المقالات التي كتبها بلال فضل أثناء أسفاره إلى دول مثل لبنان، سوريا، تركيا، الولايات المتحدة، إنجلترا، إسكتلندا وغيرها. تتفاوت النصوص ما بين الحكاية الخفيفة، والمقال السياسي، والقصص الواقعية المشبعة بالرمزيات، وهو ما يجعل القراءة ممتعة وتحرّض على التفكير في الوقت نفسه.
أهم المحطات التي تناولها الكتاب:
بيروت 2006: هرب بلال من صواريخ إسرائيل في عدوان تموز، ليكتب عن "الهروب المر" من مدينة تحترق بالنار والأمل، مستعرضًا وجوه الفلسطينيين واللبنانيين في الشوارع والملاجئ.
دمشق قبل الثورة: رحلة تهريب كتاب ممنوع، ومواجهة مع الرقابة الأمنية، مع نقد لاذع لثقافة الخوف.
نيويورك وبرودواي: نظرة على المجتمع الأمريكي من داخل قلبه النابض، مع إسقاطات ذكية على "الزيف الإعلامي"، ومفارقات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.
إسطنبول: بحث عن قبر عبد الله النديم، ولقاء أردوغان، ومواقف متناقضة في ظل تداخل السياسة بالدين.
إسكتلندا وويلز: تأملات في الطبيعة والسياسة والاختلاف، وتعلم من البسطاء أن الصمت في وجه الظلم هو خيانة.
أسلوب بلال فضل في التغريبة البلالية
الأسلوب الذي اعتمده بلال فضل في هذا العمل يتسم بالبساطة والسخرية في آن، فهو لا يتعالى على القارئ بل يخاطبه بلغة قريبة، تمزج بين العربية الفصحى والدارجة المصرية أحيانًا، مما يخلق جوًا حميميًا ومألوفًا. كما يستخدم تقنيات القص الصحفي مع مشاهد درامية ساخرة، تجعل القارئ يتنقل بين الضحك والغضب والتأمل في غضون صفحات معدودة.
يعتمد الكاتب على الواقعة الشخصية كنقطة انطلاق لتحليل ظواهر أوسع: مثل الدولة العربية، النفاق السياسي، أو الإعلام الغربي. هذا الأسلوب يُضفي على الكتاب طابعًا مميزًا يجعل القارئ يشعر وكأنه يرافق الكاتب في رحلته بالفعل، ويشاركه مواقفه وانفعالاته.
رغم أن البعض قد يرى أن تنوع المقالات يجعل الكتاب أقرب إلى مجموعة غير مترابطة من اليوميات، إلا أن ما يربط هذه النصوص فعلاً هو "الذات البلالية" بكل تناقضاتها وسخريتها. الكاتب هنا ليس محايدًا، بل هو ساخر، ساخط، مشارك في الحدث، ومتأثر به بعمق. هذه "الذات الكاتبة" هي ما يمنح النصوص وحدتها الفنية والفكرية
لماذا تقرأ "التغريبة البلالية"؟
لأنه كتاب صادق عن تجارب حقيقية عاشها كاتب له رؤية ثاقبة.
لأنه يمزج بين الضحك والدمعة بطريقة يصعب تقليدها.
لأنه يكشف المستور من زيف الإعلام والسياسة بعيون عربية لا تخجل من ذاتها.
لأنه يعبر عن جيل كامل من الشباب العربي، الحائر بين الثورة والاستقرار، بين الخروج من البلد أو المكوث في “الكنبة”.
في الختام، "التغريبة البلالية" ليست مجرد كتاب، بل وثيقة أدبية وإنسانية حية، تجسد ببراعة التناقضات التي يعيشها الإنسان العربي في مطلع القرن الحادي والعشرين. بلال فضل في هذا العمل يقدم لنا صورة عن الذات والمنفى والسياسة، بأسلوب لا يخلو من الألم ولا السخرية. كتاب يستحق القراءة أكثر من مرة.

تعليقات
إرسال تعليق